محمد بن جرير الطبري

59

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثني أبي ، عن أييه ، عن ابن عباس ، قوله وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً قال : بينة من الله عز وجل أنزلها يطلبها حق ولي المقتول ، العقل ، أو القود ، وذلك السلطان . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك بن مزاحم ، في قوله : فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً قال : إن شاء عفا ، وإن شاء أخذ الدية . وقال آخرون : بل ذلك السلطان حق ولي المقتول : هو القتل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً حق ولي المقتول وهو القود الذي جعله الله تعالى . وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأول ذلك : أن السلطان الذي ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما قاله ابن عباس ، من أن لولي القتيل حق ولي المقتول القتل إن شاء وإن شاء أخذ الدية ، وإن شاء العفو ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة : " ألا ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يقتل أو يأخذ الدية " وقد بينت الحكم في ذلك في كتابنا : كتاب الجرح . وقوله : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة : " فلا تسرف " بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد به هو والأئمة من بعده ، يقول : فلا تقتل بالمقتول ظلما غير قاتله ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك إذا قتل رجل رجلا عمد ولي القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل ، فقتله يوليه ، وترك القاتل ، فنهى الله عز وجل عن ذلك عباده ، وقال لرسوله عليه الصلاة والسلام : قتل غير القاتل بالمقتول معصية وسرف ، فلا تقتل به غير قاتله ، وإن قتلت القاتل بالمقتول فلا تمثل به . وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة : فَلا يُسْرِفْ بالياء ، بمعنى فلا يسرف حق ولي المقتول ، فيقتل غير قاتل وليه . وقد قيل : عنى به : فلا يسرف القاتل الأول لأولي المقتول . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن يقال : إنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، وذلك أن خطاب الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهى في أحكام الدين ، قضاء منه بذلك على جميع عباده ، وكذلك أمره ونهيه بعضهم ، أمر منه ونهى جميعهم ، إلا فيما دل فيه على أنه مخصوص به بعض دون بعض ، فإذا كان ذلك كذلك بما قد بينا في كتابنا ، كتاب البيان ، عن أصول الأحكام فمعلوم أن خطابه تعالى بقوله " فلا تسرف في القتل " نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإن كان موجها إليه أنه معنى به جميع عباده ، فكذلك نهيه ولي المقتول أو القاتل عن الإسراف في القتل ، والتعدي فيه نهي لجميعهم ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك . وقد اختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك نحو اختلاف القراء في قراءتهم إياه . ذكر من تأول ذلك بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن طلق بن حبيب ، في قوله : " فلا تسرف في القتل " قال لا تقتل غير قاتله ، ولا تمثل به . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير عن منصور ، عن طلق بن حبيب ، بنحوه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : فلا تسرف في القتل قال : لا تقتل اثنين بواحد . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً كان هذا بمكة ، ونبي الله صلى الله عليه وسلم بها ، وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل ، كان المشركون يغتالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله تبارك وتعالى : من قتلكم من المشركين ، فلا يحملنكم قتله إياكم عن أن تقتلوا له أبا أو أخا أو أحدا من عشيرته ، وإن كانوا مشركين ، فلا تقتلوا إلا قاتلكم ؛ وهذا قبل أن تنزل براءة ، وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين ،